سيد محمد طنطاوي

101

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثانية فقال : * ( والَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ ) * . والمراد بالحق المعلوم : ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم للمحتاجين ، على سبيل التقرب إلى اللَّه - تعالى - وشكره على نعمه ، ويدخل في هذا الحق المعلوم دخولا أوليا ما فرضه - سبحانه - عليهم من زكاة أموالهم . قالوا : ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية ، فقد يكون أصل مشروعية الزكاة بمكة ، ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة ، عن طريق السنة النبوية المطهرة . والسائل : هو الذي يسأل غيره الصدقة ، والمحروم : هو الذي لا يسأل غيره تعففا ، وإن كان في حاجة إلى العون والمساعدة . أي : ومن الذين استثناهم - سبحانه - من صفة الهلع : أولئك المؤمنون الصادقون الذين جعلوا في أموالهم حقا معينا ، يخرجونه عن إخلاص وطيب خاطر ، لمن يستحقونه من السائلين والمحرومين . . على سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم عليهم من نعم . ووصف - سبحانه - ما يعطونه من أموالهم بأنه * ( حَقٌّ ) * للإشارة إلى أنهم - لصفاء أنفسهم - قد جعلوا السائل والمحروم ، كأنه شريك لهم في أموالهم ، وكأن ما يعطونه له إنما هو بمثابة الحق الثابت عندهم له . ثم وصفهم - سبحانه - بصفات كريمة أخرى فقال : * ( والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) * والتصديق بيوم الدين معناه : الإيمان الجازم باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء . * ( والَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) * أي : أن من صفاتهم : أنهم مع قوة إيمانهم ، وكثرة أعمالهم الصالحة ، لا يجزمون بنجاتهم من عذاب اللَّه - تعالى - وإنما دائما أحوالهم مبنية على الخوف والرجاء ، إذ الإشفاق توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه . وجملة * ( إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ) * تعليلية ، ومقررة لمضمون ما قبلها ، أي : إنهم مشفقون من عذاب ربهم . . لأن العاقل لا يأمن عذابه - عز وجل - مهما أتى من طاعات ، وقدم من أعمال صالحة . وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ « 1 » .

--> ( 1 ) سورة المؤمنون الآية 60 .